محمد بن اسحاق ابن العباس الفاكهي المكي
152
أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه
أمير المؤمنين في سنة ست وخمسين ومائتين فعمل القبّة التي إلى جانب بيت الشراب ، وأخرج قصب خالد هذه التي من رصاص ، التي كان عملها لسليمان بن عبد الملك ، فأصلحه وجعله في سرب الفوّارة التي يخرج الماء منها من حياض زمزم ، تصبّ في هذه البركة ، وقد فسرنا عملها في موضعها « 1 » . وقد كان أهل مكة فيما مضى قد ضاقوا من الماء ضيقا شديدا ، حتى كانت الراوية تبلغ في الموسم عشرين درهما أو أكثر ، وفي سائر السنة نصف دينار ، وثلث دينار ، ونحو ذلك . فأقاموا بذلك حينا ، حتى أمر أمير المؤمنين هارون بعيون معاوية بن أبي سفيان الدوائر ، فعملت وجمعت وصرفت في عين واحدة يقال لها : الرشا ، وتسكب في الماجلين اللذين أحدثهما هارون أمير المؤمنين ، ويعرفان اليوم : بماجلى « 2 » هارون ، بالمعلاة ، ثم تسكب في البركة التي عند باب المسجد الحرام / . فتوسع الناس في ذلك بعض السعة ، وكانوا إذا انقطع من هذه العيون شيء في شدة من الماء . فبلغ ذلك أمّ جعفر - زبيدة « 3 » بنت أبي الفضل جعفر بن أمير المؤمنين - وقيل لها : إنّ أهل مكة في ضيق من الماء وشدة ، فأمرت بعمل بركتها هذه التي بمكة . فأجرت لها عينا من الحرم ، فجرت بماء قليل لم يكن فيه ريّ لأهل مكة ولا فضل ، وقد غرمت في ذلك غرما كبيرا ، فبلغها ذلك ، فأمرت المهندسين أن يجروا لها عيونا من الحل . وكان الناس يقولون : إنه لا يدخل ماء الحلّ إلى الحرم ، لأنه يمر على
--> ( 1 ) أنظر ص ( 145 ) من هذا المجلّد . ( 2 ) الماجل هو : الصهريج من الماء . وهذان الماجلان لا يعرفان اليوم ، إلّا أن الفاسي ذكر في شفائه 1 / 296 أنّهما في أغلب ظنّه يشكلان ( بركتي الصارم ) اللتان كانت إحداهما ملاصقة لسور مكة في المعلاة ، ويمكن القول إنّ موضعهما يقابل بناية البريد المركزي الآن على يسارك وأنت نازل إلى مكة . ( 3 ) أنظر ترجمتها في تاريخ بغداد 4 / 233 ، والعقد الثمين 8 / 236 .